رشحات فكري وقلمي

۲ مطلب با موضوع «الدعاء» ثبت شده است

24ـ فرصة للتحلیق

نحن محدودون فی مقام العمل ولسنا قادرین على القیام بکل ما نشاء ونهوى. فقد نود أن نستیقض قبل الفجر ونصلی صلاة اللیل ولکن لا نحظى بالتوفیق دائما. ولعلنا نرغب بأداء کثیر من المستحبات، بید أنه منعنا سوء التوفیق الحاصل من الذنوب.

وفی کثیر من الأحیان نعجز عن إتیان بعض الأفعال لا لضعف الإرادة وسوء التوفیق، بل بسبب عدم توفر الظروف والأسباب. فعلى سبیل المثال إن قوانین هذه الحیاة وقیودها لا تسمح لنا بحج بیت الله الحرام فی کل عام، ولا تسمح لنا بزیارة الإمام الحسین ـ علیه السلام ـ فی جمیع لیالی الجمع. کما أن ظروفنا الاقتصادیة لا تسمح لنا بقضاء حاجة کل فقیر وتسهیل زواج کل شاب. وهکذا...

إذن نحن محدودون فی مقام العمل بمختلف أنواع الحدود والقیود.

ولکن الله سبحانه قد فتح علینا نافذة إلى عالم غیر محدود وأطلق سراح مشیئتنا وإرادتنا فیه لنفعل ونعمل فی ذلک العالم حیث نشاء وکیف نرید. وهو عالم الدعاء والطلب من الله عز وجل.

الدعاء فرصة تمکن الإنسان من التحلیق فی سماء الکمالات والمقامات العلیا حسب فهمه ومعرفته.

عندما فتح الله للإنسان باب الدعاء کأنما أوحى له قائلا: إن أعمالک وإیمانک ومعرفتک الیوم تحکی عن شیء من قیمتک ومستواک، ولکن بغض النظر عما علیه أنت الآن والظروف التی تحکمک وتقیدک، قل لی ماذا ترید أن تکون، وکیف تبرمج للمستقبل لو خلیت أنت ومشیئتک بغض النظر عن الظروف والأسباب.

بهذا الشرح المتواضع یتضح أن الدعاء عمل مهم ومصیری بحذ ذاته، وبغض النظر عن تحقق الأمر المطلوب فی الخارج أو عدم تحققه. فهناک بون شاسع بین قیمة الإنسان المحروم من توفیق صلاة اللیل ولکنه متأسف على سوء توفیقه ویدعو الله لهذا التوفیق، وبین الإنسان التارک لها عن لا مبالاة وعدم اکتراث. کما هناک فرق کبیر بین الإنسان العاجز عن مساعدة أغلب الناس ولکنه یأمل ویدعو الله دائما لقضاء حوائج الناس والتوفیق لخدمتهم، وبین من أهمل هذه المسائل وعاش بمعزل عن قضایا الناس ومشاکلهم. ولا قیاس بین من لم تتوفر له الفرصة للجهاد ولم تسمح له الأسباب باجتثاث أصول الظالمین ومات فی آخر عمره على الفراش غیر محضوض بشضایا ساحات الجهاد والقتال، ولکنه قد طوى رداء عمره بتمنی الجهاد والشهادة والدعاء لذلک، وبین من قضى عمره لاهیا عن أجواء الجهاد والشهادة ولم تتعد آماله وأمانیه حدود مسکنه ومأکله ومشربه. لقد روی عن النبی ـ صلى الله علیه وآله ـ أنه قال: "من سأل الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه". بحار الأنوار67/ 201

هذا نموذج من کرم الله ولطفه على المؤمنین، والمؤمن کیس فطن ینتهز الفرصة ویستغل الطرق السهلة القصیرة فی مسیره إلى الله. لقد نقلت لکم هذه الروایة سابقا وأعیدها علیکم مرة أخرى:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله علیه وآله: "یَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلَانِ کَانَا یَعْمَلَانِ عَمَلًا وَاحِداً فَیَرَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَوْقَهُ فَیَقُولُ یَا رَبِّ بِمَا أَعْطَیْتَهُ وَ کَانَ عَمَلُنَا وَاحِداً فَیَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى سَأَلَنِی وَ لَمْ تَسْأَلْنِی ثُمَّ قَالَ سَلُوا اللَّهَ وَ أَجْزِلُوا فَإِنَّهُ لَا یَتَعَاظَمُهُ شَیْ‏ءٌ".وسائل الشیعة7/ 24

إلهی إن سمحت لنا بالدعاء کیف نشاء ودعوتنا أن نجزل فی الطلب فأسألک أن تغفر لی کل صلواتی التی ادیتها بقلب لاه وساه، وتکتب لی بدلا عنها صلوات راقیات مع حضور القلب وجماعة خلف سیدی ومولای صاحب الزمان فی مسجد الحرام. 

الهی أسألک أن تجعل آخر لحظات حیاتی تشبه آخر لحظات أصحاب الحسین ـ علیه السلام ـ حیث کان أحدهم إذا سقط على الأرض ینادی سیده ومولاه ویقول یا أبا عبد الله علیک منی السلام، فیأتی الإمام مسرعا کالبرق الخاطف یضع رأسه فی حجره ویمسح بیده على رأسه مبتسما بوجهه ومطمئنا قلبه بما سیلقاه من المقام والنعیم فی الجنان، ثم یفارق هذا الشهید الحیاة ورأسه بید إمام زمانه… إللهم ارزقنی الاستشهاد بین یدی الإمام المنتظر علیه السلام، حتى أعیش أحلى وأجمل لحظات عمری فی ساعة الاحتضار عندما أنزف دما وقد أمسک إمامی بیدی واضعا رأسی فی حجره وهو یطمئننی برضاه عنی. 

إلهی أعلم أن امنیاتی هذه أکبر من حجمی وقدری وشأنی ولکن "عفوک عن ذنبی و تجاوزک عن خطیئتی و صفحک عن ظلمی و سترک عن قبیح عملی و حلمک عن کثیر جرمی عند ما کان من خطایای و عمدی أطمعنی فی أن أسألک ما لا أستوجبه منک". ‏[مقطع من دعاء الاقتتاح]
۰ تعداد التعليقات موافقين ۰ مخالفين ۰
السید مقدام الحیدری

23ـ قناعة فی غیر محلها

عندما یدخل المؤمنون الجنة ویرحب بهم الملائکة قائلین لهم (سَلامٌ عَلَیْکُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدین) الزمر/73، لن یحددوا بموقع خاص دون آخر، ولن یقودهم الملائکة إلى قصورهم وبساتینهم لیحصروهم بالقصور والبساتین والجنان التی أزلفت لهم دون باقی نعم الجنان ومقاماتها، بل سیعطون منذ دخولهم إلى الجنان وإلى الأبد حریة مطلقة ومشیئة بلا حدود؛ (لَهُمْ ما یَشاؤُنَ فیها وَ لَدَیْنا مَزید)ق/35، (لَهُمْ فیها فاکِهَةٌ وَ لَهُمْ ما یَدَّعُون) یس/57. 

فالمؤمن حر فی الجنة وبإمکانه أن یذهب أینما یرید وحیث یشاء. ولعل هذه من أولى الکرامات العظیمة التی تعطى لأهل الجنة. کما سیشعرون أهل الجنة منذ دخولهم فی الجنان بهذه النعمة والکرامة فیحمدون الله علیها؛ (وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذی صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَیْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلین)الزمر/74.

ولکن تعلم أیها القارئ الکریم أنه لیس کل أهل الجنة سوف یطلبون المقامات العالیة فی الجنان ومجاورة الأنبیاء والحضور فی جلسات الأنس مع محمد وأهل بیته علیهم السلام، بل سیکتفون بالحور والقصور وباقی النعم المتوفرة فی الدرجات النازلة من الجنة دون أن یشتهوا الأجواء التی یعیشها الأولیاء والشهداء والمقربون. 

وهذه من الحقائق العجیبة التی قد لا نقدر على إدراکها جیدا. ویا ترى کیف یمکن للإنسان المختار المرید أن یدع المقامات العلیا التی نالها الأولیاء والأنبیاء والشهداء ویکتفی بالمراتب المتوسطة أو النازلة من الجنان؟ ثم عندما یشرب الأبرار الرحیق المختوم بالمسک مع نکهة ومزاج من تسنیم، کیف لا یطمعون بالشراب الخالص من تسنیم وعینه الصافیة التی یشرب بها المقربون؟! (راجع سورة المطففین من الآیة 22 إلى 28)

قد لا نجد مثالا لهذه الظاهرة فی عالم الدنیا، إذ أننا نطمع بالشیء الفاخر والثمین ولا نختار الردیء إن أمکن الحصول على الأجود منه. ولکن یوجد مثال واحد على الأقل، ولعله من أهم أسباب بروز هذه الظاهرة فی الجنان، وهو أننا قنوعون فی مقام الدعاء والطلب مع عدم وجود أیّ حدّ یقیّدنا فی نطاق محدود من الطلبات. 

لقد فتح الله علینا باب الدعاء وضمن لنا الإجابة، ولکن أغلب المؤمنین قد اکتفوا فی أدعیتهم بطلب الجنة ونعمها النازلة، دون أن یشتهوا ویطلبوا مقام الأولیاء والمقربین ویدعوا لنیل ذاک المقام. وعلیه فسوف تتجسد هذه القناعة التی فی غیر محلها عند دخولنا فی الجنة وتجعلنا نقتنع بالقلیل الأدنى من نعیم الجنة غافلین عما یعیشه المقربون.

إن السبب فی هذه القناعة السلبیة هو طول الأمل فی الدنیا، إذ بقدر ما تطول آمالنا فی الجانب المادی والمسائل الدنیویة تقصر هذه الآمال فی المسائل المعنویة. إذ نحن لدینا رصید ثابت فی الآمال والأمنیات، فعندما نصرفه فی المسائل المادیة الحقیرة ینقص هذا الرصید فی تمنی المقامات العلیا والدرجات الرفیعة فی الجنان. لابد من ادخار الأمانی والاقتصاد فی الآمال شأنها کشأن الأموال لکی نستطیع أن نصرفها فی مجالها، وأی مجال أفضل وأولى من تمنی التقرب إلى الله ومجاورة الأولیاء والاستشهاد فی سبیل الله و… 
۰ تعداد التعليقات موافقين ۰ مخالفين ۰
السید مقدام الحیدری